الرئيسية / الصفحة الرئيسية / عن العراق وفنلندا من زاوية اخرى

عن العراق وفنلندا من زاوية اخرى

بشكل غير مألوف ومثير للانتباه ارتبط اسم العراق وفنلندا طيلة الستين عاما الاخيرة، واذا ما كانت العلاقات الاقتصادية الكبيرة جدا سببا منطقيا للاهتمام بالعلاقات بين الجانبين خصوصا حينما كان آلاف الفنلنديين وشركاتهم يعملون في مختلف انحاء العراق منذ الخمسينات بداية من مشروع مياه الشرب في كربلاء عام 1958 وليس انتهاءا بمشروع بسماية الكبير في ظل الظروف الامنية الصعبة التي يعيشها العراق الا ان هناك روابط اخرى تدخل على الخط وتجعل من وسائل الاعلام العراقية او الفنلندية مهتمة بما يجري في البلدين بشكل او بآخر.

فما ان انتهت قضية الرهائن الفنلنديين الذين احتجزهم النظام العراقي عام 1990 بمعية آخرين من جنسيات غربية مختلفة ووضعهم في القصور الرئاسية قبيل حرب الخليج الثانية وما لاقت من اصداء اعلامية، وخصوصا الدور الذي قام به بافو فاورنن السياسي الفنلندي الذي زار العراق انذاك بهدف اطلاق سراحهم، حتى وصل الدور الى مارتي آهتساري الذي عين مبعوث الامم المتحدة الخاص الى العراق عقب انتهاء حرب الخليج الثانية في شهر آذار من عام 1991 والذي كان مكلفا بتقييم الاضرار التي لحقت بالعراق جراء الحرب.

في صميم السياسة ايضا وفيما يتعلق بالعراق وفنلندا فان الاخيرة احتضنت قمتين من الوزن الثقين اسفرا عن متغيرات عسكرية في العراق، ففي التاسع من ايلول عام 1990 احتضنت هلسنكي قمة عالمية بين الرئيس الامريكي جورج بوش الاب والزعيم السوفيتي ميخائيل غورباتشوف، تركّزت في معظمها على ازمة العراق والكويت. هلسنكي ايضا شهدت قمة سياسية اخرى في آذار 1997 بين الرئيس الامريكي بيل كلينتون و بين الرئيس الروسي بوريس يلتسن من اجل التفاهم على العديد من الملفات من اهمها الملف العراقي.

ودائما مع السياسة وانعكاساتها على الجانبين يتذكر جميع الفنلنديين ما حصل بين الاعوام 2002-2003 حينما حدث ما اطلق عليه الاعلام الفنلندي “فضيحة العراق” او “تسريبات العراق”. اذ كانت هناك تفاهمات فنلندية امريكية بان تشارك فنلندا في التحالف الدولي الذي يستعد لشن حرب الخليج الثالثة عام 2003 لكنها لن تشارك عسكريا بل تساهم بمرحلة ما بعد الحرب، تزامن ذلك مع الاستعداد للانتخابات البرلمانية الفنلندية، زعيمة احد الاحزاب الكبيرة استخدمت تلك الورقة وسربت للاعلام بعض تفاصيل ذلك التفاهم مما قلب الطاولة على خصومها، فاز حزبها وتراست هي الحكومة، لكنها بعد فترة وجيزة استقالت بسبب فضيحة تسريب وثائق وكانت تلك حادثة شهيرة جدا في التاريخ السياسي الفنلندي على شرف العراق.

 

في فترة الصدام الطائفي عام 2007 وما بعد ذلك بدأت منظمة اهتساري Crisis Management Initiative المعروفة اختصارا بـ”CMI” العمل في العراق للجمع بين وجهات نظر القوى السياسية العراقية المشاركة بالعملية السياسية وغير المشاركة واستضافت هلسنكي مؤتمرين لذلك اعقبها سلسلة من الفعاليات تصب بهذا الاطار، المنظمة لازالت نشطة في العراق حتى الان وتساهم بالاعداد لمرحلة ما بعد داعش.

ليس بعيدا عن السياسي اطلت ازمة الهجرة التي بلغت ذروتها صيف العام 2015 حينما وصل الى فنلندا وبقية انحاء اوروبا آلاف العراقيين، انعكس ذلك بشكل كبير في الاعلام واصبحت القضية قضية رأي عام، تداعيات ذلك الملف دفعت الفنلنديين لفتح قنوات جديدة مع العراق، اولا: بهدف التنسيق من اجل ترتيب العودة الطوعية وقد سيرت طائرات مباشرة من هلسنكي الى بغداد لذلك، وثانيا: تم القاء القبض على العديد من العراقيين ممن اتهموا بارتكاب جرائم حرب من بينهم مشاركين في مجزرة سبايكر، لذلك ولغيره قامت فنلندا منذ بداية العام 2017 بتعيين سفير لها في العراق يدير الشؤون العراقية من هلسنكي، وعدت بفتح السفارة ودعم العراق في مختلف المجالات مقابل ان يعقد اتفاقية لاعادة طالبي اللجوء قسرا ممن تتم رفض طلباتهم. في العاصمة هلسنكي وفي مدن فنلندية اخرى اقام طالبوا اللجوء منذ عدة اسابيع سلسلة من الاعتصامات لازالت مستمرة ضد قرارات الرفض بحقهم، الاعتصامات لاقت اصداء اعلامية كبيرة وتمثل علامة فارقة في تاريخ الهجرة الى فنلندا.

هكذا كان الارتباط بين فنلندا والعراق مثير للانتباه على اكثر من صعيد خصوصا على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وكلما تراجعت وتيرة زخم ذلك الترابط الكبير الذي لا يعكس قوة الترابط السياسي الرسمي بين الجانبين كلما عاد بقوة وزخم اكبر الى الواجهة من جديد.

يبقى اخيرا ان القلعة العراقية البيضاء التي بنيت في هلسنكي على يد السياسي العراقي المبعد سفيرا في السبعينات والتي بناها لتكون واجهة للعلاقات التجارية، السياسية مع غايات اخرى في نفس يعقوب هل هي كفيلة بادارة العلاقات واستثمار هذا الترابط الكبير بين الجانبين والاتكاء عليه لكي لتاسيس علاقات متوازنة يستثمر العراق فيها العلاقات العنكبوتية الهائلة التي تمتلكها دولة على صغرها لكنها نافذة جدا في معظم المؤسسات الدولية ومشهود لها بالمهنية والحياد؟! حتى الان لا يبدو ذلك.

 

جمال الخرسان

 

 

 

 

 

 

عن finraq

شاهد أيضاً

الفنان التشكيلي مهند الدروبي: الفن فرصة لخلق عوالم خاصة تشرك الاخرين بها

تأثر بكتاب للفنان “محمد عارف” و”المرسم الصغير” والفن التركيبي آخر تجاربه في فنلندا الفنان التشكيلي ...

اترك رد