الرئيسية / الصفحة الرئيسية / قمة “الناتو” في “وارسو” تاريخية الشكل والمضمون

قمة “الناتو” في “وارسو” تاريخية الشكل والمضمون

تاريخية على مستوى الشكل والمضمون قمة حلف الناتو التي عقدت يومي 8-9 من تموز الجاري في العاصمة البولندية وارسو بمشاركة 28 دولة، حيث وصفت بانها القمة الاكثر اهمية للحلف في مرحلة ما بعد سقوط الاتحاد السوفيتي.

مكان القمة يمثل رسالة تقطر شحنات سياسية موجهّة الى خصوم الحلف، إذ ان مدينة وارسو كانت العاصمة التي تأسس فيها حلف وارسو عام 1955 والذي ضم بلدانا من اوروبا الشرقية والوسطى، مثلت منظومة عسكرية تشكلت ردا على سياسات حلف الناتو الذي تأسس عام 1949 والذي ضم معظم بلدان اوروبا الغربية اضافة الى امريكا.

وكما وظّف المكان في هذه القمة فإن تاريخ القمة هو الاخر ليس بعيدا عن التوظيف الرمزي للزمان بالنسبة لقيادة الحلف حيث عقدت القمة في تموز الشهر الذي اعلن فيه حل الحلف عام 1991، ناهيك عن ان العام 2016 يصادف الذكرى الخامسة والعشرين على حل الحلف، توّج ذلك التوظيف بدعوة عشاء رسمية وجهت لأعضاء الحلف في نفس الغرفة التي تم فيها التوقيع على القانون التأسيسي لحلف وارسو.. وهو توظيف يلامس الاستفزاز!

اما على مستوى المضمون فقد ارسيت في تلك القمة قواعد الاستراتيجية العسكرية الجديدة لنشاط الحلف ودفاعه عن بلدان البلطيق واوروبا الشرقية. وتحت ذريعة عدم تكرار سيناريو القرم تقرر في قمة وارسو ايضا تعزيز الوجود العسكري للناتو في منطقة البلطيق عبر نشر اربع كتائب متعددة الجنسية الى بولندا وبلدان البلطيق بقيادة الولايات المتحدة وكندا والمانيا وبريطانيا.

ان روسيا بوتين لا تعتبر التعاون السابق بين بلدان المنطقة والناتو الا استغلالا غير مشروع للحظة تاريخية مرت بها روسيا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في تسعينيات القرن الماضي، فما بالك بنظرتها لذلك التعاون الجديد! وما اسفرت عنه قمة وارسو! ان موسكو ترى ذلك فعلا مستفزا على حدودها الغربية، انه خطر يلامس الامن القومي الروسي، وهذا ما يضع المنطقة برمتها على حافة سقف جديد من التصعيد. الرئيس بوتين وجّه في ايار الماضي تصريحات شديدة اللهجة الى بولندا ورومانيا حيث قال: “رومانيا وبولندا قد تجدان نفسيهما في مرمى صواريخ بلاده بسبب وجود أجزاء من الدرع الصاروخية الأميركية على أراضيهما لان هذا الأمر يشكل تهديدا لأمن روسيا”.

لقد دبّت في منطقة البلطيق منذ عدة سنوات حمّى التصعيد والمواقف الاستفزازية المتبادلة بين مختلف الاطراف. مناورات عسكرية على قدم وساق ورسائل سياسية بمختلف الاتجاهات، استفزازات ورسائل متبادلة بين الجانبين عبر تحليق ازعاجات الطائرات الروسية، او الغواصات الروسية بالقرب من اساطيل الناتو او البلدان التي لها قواعد للناتو في البلطيق، او حتى من قبل اسطول الناتو نفسه حينما قامت طائراته باعتراض بعض الطائرات الروسية المقاتلة هناك.

ذلك التزايد الملحوظ للناتو قرب الحدود الروسية وفي منطقة تعتبر الى وقت قريب منطقة نفوذ روسية ازعج روسيا كثيرا، الناتو ادرك السقف المرتفع من الاحتقان الروسي مما يحصل ولذلك طلب عقد قمة مستعجلة بين قيادة الناتو وبين روسيا في 13 تموز الجاري من اجل ترطيب الاجواء المشحونة.

في سياق القمة التاريخية للناتو وخطواته التصعيدية من وارسو الموجهّة بالدرجة الاولى الى روسيا ترشح موقفان مختلفان بعض الشيء عن اجواء استعراض العضلات العسكرية في تلك المنطقة، الموقف الاول لألمانيا التي دعت عبر اكثر من مسؤول رفيع فيها الى ضرورة عدم استفزاز الجانب الروسي ودفعه لمزيد من الخطوات التصعيدية، وهو موقف ينسجم مع السياسة الالمانية تجاه روسيا والمخالفة بعض الشيء لسياسة بقية بلدان اوروبا التي اتخذت مواقف متصلبة من موسكو عقب ضم القرم. وثاني المواقف التي دعت الى التهدئة هي المبادرة التي قدمها الرئيس الفنلندي ساولي نينستو في كلمته التي القاها اثناء انعقاد القمة، والتي تتلخص في حث روسيا من جهة وبلدان البلطيق وكذلك قوات الناتو المتواجدة في البلطيق من جهة ثانية على توقيع اتفاق حظر تحليق الطائرات التي لا تعمل على متنها اجهزة ارسال وقبول اشارات. نينستو كان قد عرض مبادرته على الرئيس بوتين اثناء زيارته الى فنلندا والتي سبقت انعقاد قمة وارسو بأيام قليلة.

جمال الخرسان

gamalksn@hotmail.com

عن finraq

شاهد أيضاً

الفنان التشكيلي مهند الدروبي: الفن فرصة لخلق عوالم خاصة تشرك الاخرين بها

تأثر بكتاب للفنان “محمد عارف” و”المرسم الصغير” والفن التركيبي آخر تجاربه في فنلندا الفنان التشكيلي ...

اترك رد