الرئيسية / منوعات / في فنلندا مهرجان للفرح له رائحة الثوم

في فنلندا مهرجان للفرح له رائحة الثوم

يوسف ابو الفوز – هلسنكي

كيف ندخل الفرح الى قلوب الناس ؟ هل يكفي توفر الامان وحده ؟ كيف تعيش الشعوب المتحضرة التي بنت مجتمعات تؤمن للانسان حقوقه ؟ في بلد مثل فنلندا (5,4 ملايين نسمة ) نجح في بناء تجربة تكون الدولة هي المسؤولة عن القيام بالدور الأساس في حماية وتوفير الرفاه الاقتصادي ويكون المواطن مساهما في تطوير المجتمع وخلق والسلام والامن الاجتماعي ، يواصل الفنلنديون وبكل الوسائل المختلفة البحث عن اسباب للفرح .

مدينة كيرافا (Kerava ) الفنلندية ، الواقعة في ضواحي العاصمة هلسنكي ، ورغم ان سكانها يعتبرونها مدينة صغيرة ، إلا انها تمنح الإحساس كونها قرية كبيرة ، لما لأهلها من طيبة وود خصوصا في تعاملهم مع زوار المدينة ، وهم ايضا يجيدون التحايل مع الصيف لاقتناص الفرح، فعندهم ثمة احتفال خاص لاستقبال الصيف واخر لوداعه، وفي كلا اليومين تزدهي المدينة بثياب العيد، وتنصب مدن العاب متحركة مكائنها واجهزتها في فضاءات مكشوفة ، ليس بعيدا عن الدور السكنية، ويقبل الزوار من كل مكان وخصوصا المدن المجاورة، فتتحرك روح المدينة والناس. وتشهد المدينة العديد من الأعياد والمهرجانات الموسيقية على طول العام، فيمكن القول انها مدينة ثقافية ونشاطات بشكل ما، فإضافة الى متحف المدينة الذي يعكس طبيعة الحياة الفنلندية في القرون الأخيرة ، يوجد فيها معهد موسيقي ومعهد للرقص وقاعتا مسرح مغلقتان إضافة الى المسرح الصيفي المفتوح، وينظم فيها صيفا واحدا من أهم مهرجانات موسيقى الجاز، هذا من غير حفلات الموسيقى الكلاسيكية التي تكاد كنيسة المدينة تبز بها الاخرين، وفي المدينة يوجد 31 جمعية ثقافية مسجلة رسميا وتمارس نشاطاتها على مدار السنة. ألا ان من ابرز الأعياد في المدينة والذي جلب لها شهرة كبيرة هو مهرجان الثوم ! إذ كون المدينة تضم واحد من معامل البيرة الشهيرة في البلاد والشمال الأوربي ، ومصنعاً للألبسة الجاهزة ، ومشاريع صناعية أخرى ، جعل رجال الأعمال فيها يستثمرون هذا الى جانب سمعة المدينة الثقافية من اجل ان تكون مدينتهم مركزا للسياحة الصيفية وتنشيط التسوق والعمل التجاري فيها.

رجل أعمال ذكي انتبه الى كون مدير بلدية المدينة في بداية ثمانينيات القرن الماضي، من المعجبين بالثوم ، وهو في كل مكان يتحدث عن فوائده الصحية وأهميته وتأريخه ، فخطرت لرجل الأعمال النبيه فكرة ان يبادر لاقتراح تنظيم مهرجان للثوم في المدينة، وكان له ما أراد وتأسست (جمعية أصدقاء الثوم )، التي تشير وثائقها انها تأسست في 1983 ، ويبلغ عدد أعضائها ألان اكثر من 6000 عضو. دعت الجمعية الى تنظيم المهرجان، فكان المهرجان الأول في صيف عام 1986، ونجح بشكل كبير وصار ينظم سنويا . هذا المهرجان الذي شاعت فكرته وانتقلت أخباره الى كل أنحاء فنلندا، فصار الان ينظم في سبع من المدن الفنلندية ، بل وانتقلت اخباره الى بلدان الجوار وبدأ تنظيم مهرجان مماثل للخيار في (بطرسبورغ) الروسية.

في يوم مهرجان الثوم، الذي ينظم كل عام في يوم السبت والاحد الثالث من كل شهر آب تكتسي مدينة كيرافا الجميلة والوادعة بأحلى الحلل، يمنع في شوارعها الداخلية مرور أية سيارة عدا سيارات الإسعاف والشرطة، وفي كل زاوية منها تنصب الخيام وتفتح الأكشاك ، في مهرجان تجاري لبيع كل شئ ، لوحات واعمال فنية ، منتجات أعمال يدوية ، ملابس جاهزة وقديمة ، معدات منزلية وأثاث ، أدوات مطبخ وزينة ، أدوية ومستحضرات تجميل و أشرطة موسيقى وأفلام فيديو ، مواد غذائية ومعلبات منزلية، … الخ . وتتميز الكثير من المبيعات بأنها بهذا الشكل أو ذاك لها علاقة بالثوم . الراغب بالمساهمة في سو ق المهرجان ، وقبل عدة شهور، عليه ان يحجز مكانا لينصب فيه خيمته أو طاولته ، بالطبع بعد ان يدفع رسوما محددة صارت ترتفع قيمتها يوما بعد أخر مع اشتداد الإقبال على المهرجان. في هذا اليوم الذي تنشط فيه حركة البيع والشراء ، لا تكون المبيعات خاضعة للضريبة العامة ، فلا أحد يطالب بفاتورة، ولذا تكون فيه الأسعار مناسبة فيقصده جمهور كبير من المدن المجاورة للتسوق ، وتكتظ ساحات وحدائق المدينة بالسياح والزوار، وأشارت الإحصاءات الى ان زوار المدينة في مهرجان العام الحالي بلغوا أكثر من 45 الف زائر، وهكذا في يوم عيد الثوم تسمع الضحكات والموسيقى في كل شارع وزاوية من المدينة وتجد البسمة على كل الوجوه .

محلات الأطعمة من كل الجنسيات تنتشر في كل مكان ، وتجدها منظمات الأجانب والمهاجرين فرصة للتعريف بثقافة مطبخها الوطني والتعريف بنفسها ونشاطاتها وكسب بعض المال ، وكل خيمة تكون عبارة عن إذاعة وطنية تبث موسيقاها التي تريد. الفرق الفنية والموسيقية الشبابية ومدارس المدينة تجدها فرصة لتقديم عروضها الموسيقية والراقصة على خشبة مسرح المدينة الصيفي المفتوح ، الذي يتوسط مركز المدينة ، والذي يشهد عروضا موسيقية طوال الصيف. المهرجون والحواة والسحرة يجدونها فرصة لعرض فنونهم أمام الجمهور الذي لا يبخل عليهم بالهدايا. نوادي الطلبة والشباب تنظم عرضا تنافسيا طريفا لأفضل مصاص دماء (دراكولا) ارتباطا بأسطورة خوف مصاص الدماء من الثوم ، بالاضافة الى عرض افضل ملابس واكسسوار من وحي مهرجان الثوم . وفي هذا اليوم في مدينة كيرافا التي تطوف في سمائها سحابة من الثوم والفرح ، يمكنك ان تتذوق كل الأكلات والسلاطات التي يدخل في إعدادها الثوم ، إضافة الى أكلات ومشروبات غريبة لم تخطر في البال ، مثل بيرة بالثوم ، ايس كريم بالثوم ، هذا من غير بعض المعجنات الخاصة التي يتفنن في تقديمها المطبخ الفنلندي . انه مهرجان زاخر بالمحبة والبساطة ، يمنح الناس الفرصة للتعايش والتقارب ، المعرفة والمتعة ، ويقول لنا ببساطة ان بإمكان الإنسان اقتناص المسرة والفرح بمختلف الاشكال حتى تلك التي تفوح منها رائحة الثوم !

*جريدة الصباح البغدادية الاثنين 4 تشرين الثاني 2013 العدد 2957

عن finraq

شاهد أيضاً

اللوثرية و500 عام على التاسيس

يمثل العام 2017 محطة تاريخية مهمة لمراجعة الماضي والاحتفاء به بالنسبة للبروتستانتيين وهم لا يقلون ...

اترك رد